أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
147
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الثاني : أنه فاعل بقوله : « تعالى ، أي : تعالى بديع السّموات » ، وتكون هذه الجملة الفعلية معطوفة على الفعل المقدر قبلها ، وهو الناصب ل « سبحان » ، فإنّ « سبحان » - كما تقدم « 1 » - من المصادر اللازم إضمار ناصبها . الثالث : أنه مبتدأ ، وخبره ما بعده من قوله : « أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ » . وقرأ المنصور : « بديع » بالجر . قال الزمخشري : « ردّا على قوله : « وَجَعَلُوا لِلَّهِ » أو على « سبحانه » . كذا قاله ، ولم يبن على أي وجه من وجوه الإعراب هو ، وكذا الشيخ حكاه عنه ، ومرّ عليه . ويريد بالردّ : كونه تابعا إمّا « للّه » ، أو للضمير المجرور في « سبحانه » وتبعيته له على كون بدلا من « للّه » أو من الهاء في « سبحانه » ، ويجوز أن يكون نعتا للّه على أن يكون إضافة « بَدِيعُ » إضافة محضة كما ستعرفه . وأما تبعيته للهاء فيتعين أن يكون بدلا ، ويمتنع أن يكون نعتا ، وإن اعتقدنا تعريفه بالإضافة لمعارض آخر وهو أن الضمير لا ينعت ، إلا ضمير الغائب على رأي الكسائي ، فعلى رأيه قد يجوز ذلك . وقرأ أبو صالح الشامي : « بديع » نصبا ، ونصبه على المدح ، وهي تؤيد قراءة الجر ، وقراءة الرفع المتقدمة . يحتمل أن يكون أصلها الاتباع بالجر على البدل ، ثم قطع التابع رفعا . و « بَدِيعُ » يجوز أن يكون بمعنى مبدع ، وقد سبق معناه « 2 » ، أو يكون صفة مشبهة أضيفت لمرفوعها ، كقولك « فلان بديع الشّعر » ، أي : بديع شعره . وعلى هذين القولين فإضافته لفظية ، لأنه في الأول من باب إضافة اسم الفاعل لمنصوبه ، وفي الثاني من باب إضافة الصفة المشبهة لمرفوعها ، ويجوز أن يكون بمعنى : عديم النظير والمثل فيهما ، كأنه قيل : البديع في السماوات والأرض ، فالإضافة على هذا إضافة محضة قوله : أنّى يكون له ولد « أَنَّى » بمعنى : كيف ، أو من أين ، وفيها وجهان : أحدهما : أنها خبر « كان » الناقصة و « لَهُ » في محل نصب على الحال ، و « وَلَدٌ » فاسمها ، ويجوز أن تكون منصوبة على التشبيه بالحال أو الظرف ، كقوله : « كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ » « 3 » ، والعامل فيها - قال أبو البقاء - « يَكُونُ » . وهذا على رأي من يجيز في « كان » أن تعمل في الأحوال والظروف وشبهها و « لَهُ » خبر « يَكُونُ » ، و « وَلَدٌ » اسمها . ويجوز في « يَكُونُ » أن تكون تامة ، وهذا أحسن أي : كيف يوجد له ولد ، وأسباب الولدية منتفية ؟ قوله : وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ هذه الواو للحال ، والجملة بعدها في محل نصب على الحال من مضمون الجملة المتقدمة ، أي : كيف يوجد له ولد ، والحال أنه لم تكن له زوجة وقد علم أن الولد إنما يكون من بين ذكر وأنثى ، وهو منزه عن ذلك . والجمهور على « تَكُنْ » بالتاء من فوق ، وقرأ النّخعيّ بالياء من تحت ، وفيه أربعة أوجه : أحدها : أن الفعل مسند إلى « صاحِبَةٌ » أيضا ، كالقراءة المشهورة ، وإنما جاز التذكير للفصل ، كقوله : 2035 - لقد ولد الأخيطل أمّ سوء * . . . « 4 » وقوله : 2036 - إنّ امرأ غرّه منكنّ واحدة * بعدي وبعدك في الدّنيا لمغرور « 5 »
--> ( 1 ) انظر سورة البقرة ، آية ( 32 ) . ( 2 ) انظر آية رقم ( 117 ) من سورة البقرة . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 28 ) . ( 4 ) صدر بيت لجرير وعجزه : . . . * على باب استها صلب وشام انظر ديوانه ( 2 / 283 ) ، المقتضب ( 2 / 145 ) ، الإنصاف ( 1 / 175 ) ، الأمالي لابن الشجري ( 3 / 153 ) ، شام جمع شامة وهي العلامة . الشاهد : جواز تجرد الفعل المسند إلى فاعل مؤنث من علامة التأنيث لوجود فاصل . ( 5 ) انظر البيت في الخصائص ( 2 / 414 ) ، الهمع ( 2 / 171 ) ، الإنصاف ( 1 / 174 ) ، البحر ( 2 / 393 ) . الشاهد : في قوله « غره منكن واحدة » .